|

على بعد حوالي 550 كلم إلى الشمال عن مدينة الخرطوم وفي الولاية الشمالية، وعلى بعد حوالي 40 كلم عن عاصمة الولاية دنقلة، تقع معتمدية البرقيق التي تشمل قرى البرقيق وكرمة البلد وكرمة النزل.
بهذه المنطقة تتمركز جل المواقع الأثرية التي شرع عالم الآثار السويسري شارل بوني في التنقيب بها منذ 43 سنة. وأهم موقع هو ما يعرف بالديفوفة الغربية أو بقايا المدينة النوبية العريقة كرمة، التي أسست في عام 2400 قبل ميلاد السيد المسيح والتي تطورت لأكثر من 1000 سنة كعاصمة للملكة التي حملت اسم مملكة كرمة.
أهمية ما عثر عليه في مدينة كرمة كما يقول شارل بوني "هو أن أغلب المدن القديمة عرفت بناء مدن حديثة فوق بقاياها القديمة، وبالتالي لم يعد ممكنا التعرف على أشكالها ومقوماتها وهندستها الأصلية".
لكن مدينة كرمة التي تبلغ مساحتها حوالي 600 متر على 700 متر، بقيت مغمورة تحت الرمال طوال هذه الفترة، ولم يكن بارزا منها سوى قمة ما يعرف اليوم بالديفوفة أو البناء العالي الذي يتعدى ارتفاعه 18 مترا.
وقد سمحت عمليات التنقيب المتتالية التي قام بها الفريق السويسري طوال الثلاثة أشهر من كل سنة على امتداد الأربعين عاما الماضية، باكتشاف معالم مدينة يقول عنها شارل بوني "إنها عاصمة صُممت بشكل اصطناعي ليس كمدينة مزارعين أو رعاة، بل كمركز إداري لتسيير مملكة ممتدة الأطراف بها منازل الملوك وأشراف القوم". وهذا ما يفسر تواجد بيوت كبيرة الحجم وبأشكال هندسية تختلف كثيرا عما هو معروف عن منازل السكان القرويين
والمربع الديني
نظرا لأهمية مدينة كرمة كمركز للمبادلات بين وسط إفريقيا ومنطقة البحر الأحمر ومعادن الذهب الموجودة شرقا على بعد 200 كلم وكردفان ومصر، تم تدعيمها على مر العصور بأسوار واقية.
ويتوسط المدينة مربع ديني، وهو ما يعرف بـ "الديفوفة"، يقول عنه شارل بوني "إنه كان متعدد الاستعمال، ليس فقط كمركز ديني بل أيضا كمحل لتصنيع وتخزين السلع النادرة قبل تصديرها إما إلى مصر شمالا أو إلى الجنوب".
قبالة المربع الديني كان يوجد القصر الملكي الذي لم يكن مجرد مقر سكن الملك، بل كان يحتوي أيضا على العديد من الورش، إما لصناعة الفخار أو لنحت الحجر أو لتعليب السلع ووضع الصكوك عليها قبل تصديرها. كما اشتمل القصر الملكي على قاعة استقبال دائرية الشكل تقلد ما هو معروف في المناطق إفريقيا جنوبا، ولا يوجد مثيل لها في المناطق الشمالية.
فاطمة ديفوفة" كلمة "ديفوفة" باللغة النوبية تعني المبنى المرتفع من صنع الإنسان، والذي كان يبلغ في أصله حوالي 25 مترا. وما تبقى من المربع الديني اليوم، يرتفع لحوالي 18 مترا، وهو المبنى الذي شيد على فترات متتالية بحيث انتقل من أكواخ عادية في بداية الأمر لكي يتحول الى معبد بأبعاد هائلة. وقد تم ترميم سلم به لكي يسمح للزوار بالصعود الى أعلاه وإلقاء نظرة على كامل أقسام المدينة القديمة. وبما أن المبنى الديني كان مرتبطا بالقصر الملكي عبر ممر، استنتج البحاثة بأن الملك، ولئن لم يكن إلاها فإنه كان يقوم بدور رجل الدين. وحتى ولو أن مبنى الديفوفة شيد بالطوب والطين، إلا أنه يعتبر في نظر شار لبوني " من أحسن المباني الطوبية القديمة التي بقيت في وضعية جيدة".
والمميز لمبنى الديفوفة حسب شارل بوني أن "الصعود إلى أعلى المبنى يتم عبر سلم جانبي وليس عبر سلم يتوسط المبنى مثلما هو الحال في المعابد المصرية". وهو ما يُستنتج منه دائما حسب شارل بوني "أننا في ثقافة وهندسة معمارية نوبية خاصة ومتميزة".
ويقود السلم إلى غرفة رئيسية بها أعمدة حجرية من المرمر الأبيض لربما تم جلبها من بعيد لأنه لا توجد مقالع حجر في المنطقة. ويُعتقد أن هذه الغرفة كانت عبارة عن مكان لتقديم القرابين مثل الكباش لأنه تم العثور على بقاياها في ركن من أركانها. وتنتهي الغرفة بدهليز كانت توضع فيه الوسائل الضرورية لتنظيم القداس الديني.
وعلى الرغم من العثور على شظايا عديدة لتماثيل تجسد الإله الذي كان يقدس آنذاك، يأمل الفريق السويسري في أن تتوصل الأبحاث المستقبلية إلى اكتشاف تمثال كامل يجسد الإله آمون ذي رأس الكبش الذي يُقال أنه ولد في جبل بركل على بعد 200 كلم. وهو الاعتقاد الذي وجد له أثر في مقابر الديفوفة الشرقية وفي دوكي جيل حيث تم العثور على بقايا قرابين أكباش تجسد هذا الإله.
وبعد الصعود إلى القسم العلوي من مبنى الديفوفة عبر سلم أضيق من الأول، نصل إلى قمة المبنى الذي يسمح برؤية شاملة على المنطقة. ويعتقد شارل بوني بأن هذا السطح "الذي وجدت به أعمدة، كان يأوي معبدا آخر يقام فيه قداس لربما له علاقة بعبادة الشمس |